جريدة ورقية إلكترونية تهتم بأخبار المغرب

أيّ مدرسة أفضل العمومية أم الخصوصية؟

الحياة الشمالية

ذ نور الدين الجعباق

هذه العبارة حيرة كل بيت مع كل دخول مدرسي مع بداية كل سنة دراسية، يتكرر السؤال نفسه على موائد الأسر: هل نُلحق أبناءنا بالمدرسة العمومية أم الخاصة؟ وهل التفوق حكر على من يدفع أكثر؟
الحقيقة التربوية التي يجب أن ننطلق منها هي أن الاختيار السليم يتوقف في الغالب على أمرين اثنين: الوضع المادي للأسرة، ونوعية التعليم والتربية التي تقدمها كل مدرسة على أرض الواقع، لا في الإعلانات.
ولنكن منصفين منذ البداية: لا توجد مدرسة مثالية، فلكل نوع إيجابياته وسلبياته، والذكي هو من يختار الأنسب لابنه وظروفه، لا من ينساق وراء الموضة.
المدرسة العمومية: تعتبر مدرسة الحياة والتنوع
تبقى المدرسة العمومية الخيار الأول لملايين الأسر، ولها مزايا تربوية عميقة لا تُقدّر بثمن:
أولاً: المجانية وتكافؤ الفرص. فهي تفتح أبوابها للجميع دون تمييز، وتخفف العبء المادي عن الأسرة، خاصة إذا كان لها أكثر من طفل.
ثانياً: التنوع الاجتماعي والثقافي. فيها يلتقي ابن الموظف بابن الحرفي وابن الفلاح، فيتعلم الطفل منذ الصغر فن العيش المشترك، وتقبل الآخر، والاعتماد على الذات، وهي قيم لا تُدرَّس في الكتب بل تُعاش في الساحة.
ثالثاً: وحدة المنهاج وضمان الدولة. فالبرامج موحدة ومؤطرة، والأساتذة خاضعون لتكوين وتفتيش مستمر.
أما النقد الشائع فينصبّ على اكتظاظ الأقسام، حيث يتجاوز عدد التلاميذ أحياناً الأربعين في الفصل، مما يُصعّب على الأساتذة التتبع الفردي لكل طفل، والحل هنا ليس في جلد المدرسة بل في بناء مدارس جديدة وتقليص الاكتظاظ.
وهناك من يتهم المدرسة العمومية بأنها تعتمد على التلقين والحفظ وتفتقر للأنشطة، وهذا حكم جائر اليوم. فالواقع الذي نعاينه يقول العكس: مدارس عمومية كثيرة تتسابق في تبني الطرق الإبداعية، والمسرح المدرسي، والنوادي العلمية، والتعلم باللعب والمشاريع، بفضل الأساتذة مخلصين يؤمنون برسالتهم.
2. المدرسة الخاصة: خدمات أكثر.. ولكن؟
لا ننكر أن للمدارس الخاصة بريقها الخاص:
أولاً: قلة عدد التلاميذ في القسم، مما يسمح بمتابعة أدق واهتمام أكبر بكل طفل.
ثانياً: توفر الوسائل والتكنولوجيا الحديثة، من قاعات مجهزة وسبورات تفاعلية وأنشطة موازية في اللغات والرياضة والفنون.
لكن، ولنقلها بصراحة تربوية، أصبحت كثير من هذه المدارس اليوم تجارية بامتياز. رسوم تسجيل مرتفعة، وواجبات شهرية تُثقل كاهل الأسرة، ومستوى لا يوازي دائماً ما يُدفع، حتى أن الإقبال عليها بدأ يتراجع في السنوات الأخيرة.
ثم إن حجة التكنولوجيا لم تعد مقنعة، فالتكنولوجيا اليوم دخلت كل بيت. يستطيع الأبوان الذكيان تعويض كثير من النقص عبر توظيف اليوتيوب التعليمي، والمنصات والقنوات الهادفة، والتطبيقات التفاعلية، لتصبح غرفة المعيشة امتداداً ذكياً للفصل الدراسي.
وفي الواقع يعتبر الطفل المنخرط فيها عبارة عن زبون .حيث يظل أسيرا لمنطق الربح والخسارة مما يفرض عليه إقناع الناس وجذبهم بإنجازات ملموسة، فهو لا يولي اهتماما كبيرا للمفاهيم المجردة باعتبار صعوبة خضوعها للقياس، مركزا في المقابل على الاستثمار في عقدة اللغات الأجنبية لا سيما الفرنسية، والمشكل أنه يعتمد على كتب مدرسية مستوردة من الخارج موجهة أساسا للناطقين بالفرنسية غير مستوعب أن ثمة فروق جوهرية بين من يتعلم لغته الأم والذي توجه له تلك المناهج وبين المتعلم حديث العهد باللغة كحال تلامذتنا الذين يفرض عليهم التعامل معها الشيء الذي يستنزف طاقاتهم ويتطلب منهم مجهودات مضاعفة بخاصة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية
ويمكننا التجاوز المقارنة السطحية إلى الأسرار التربوية يمكن أن تستفيد منها أي أسرة مغربية.
1ـ الأستاذ أهم من المدرسة:
أثبتت عشرات الدراسات التربوية حقيقة مدهشة:
أثر الأستاذ الواحد المخلص يفوق أثر كل تجهيزات المدرسة.
قد تجد في مدرسة عمومية بسيطة يوجد فيها الأستاذ أو الأستاذة تحتضن التلميذ، تكتشف موهبته، وتزرع فيه الثقة، فيتفوق.
وقد تجد في مدرسة خاصة فاخرة بجدران ملونة، أستاذا مرهقاً بكثرة الساعات، لا يعرف حتى اسم التلميذ.
ولهذا يجب على الاولياء الامور: قبل أن يسألوا عن ثمن التسجيل، يجب عليهم أن يسألوا: من سيُدرّس ابنائهم؟ وما هي مؤهلاته؟ ما مدى استقراره في المدرسة؟ هل يضحك الأطفال في ساحتها أم يخافون؟
فالمدرسة الجيدة تُقاس بوجوه تلامذتها صباحاً: هل يدخلون فرحين أم مجرورين؟
2 ـ القرب من البيت.. المعيار المنسي
من الأخطاء الشائعة أن يقطع الطفل الصغير كيلومترات كل صباح ليصل إلى مدرسة “مشهورة”، فيصل مرهقاً، ويرجع منهكاً، وينام في السيارة بدل أن يلعب ويراجع.
الطفل الذي يدرس قرب بيته يكسب ثلاث نعم: نوماً كافياً، ووقتاً للعب والراحة، وأصدقاء من الحي نفسه يكبر معهم ويتقاسم معهم الذكريات.
فلا تضحِّ براحة ابنك النفسية والجسدية من أجل لافتة براقة.
3 ـ المقارنة والتبعية: ابن جارنا في الخاصة!
كثير من الأسر يختارون التعليم الخاص ليس عن قناعة، بل هروباً من كلام الناس: “ماذا سيقولون عنا؟”
تذكر أيها الأب: أنت لا تُربي ابن الجيران، أنت تُربي ابنك. والمدرسة التي تُفقرك وتُدخلك في ديون وضغط نفسي طوال السنة، سينعكس توترها على ابنك في البيت، فتخسر من الجهتين.
فإذا احتسبنا التكلفة الحقيقية: التسجيل + النقل + الدروس الإضافية + الأنشطة + الحفلات… ثم اسأل نفسك بصدق: هل هذا المبلغ سيُحسّن فعلاً مستقبله، أم لو ادخرت نصفه لدورات اللغات والكتب والرحلات لكان أنفع؟
فسواء اخترت العمومية أو الخاصة، اعلم أن 70% من التفوق يُصنع في البيت.
وختاما
ليست المدرسة الأغلى هي الأفضل دائماً، بل المدرسة التي يجد فيها ابنك أستاذا يحبه، وبيئة آمنة تحترمه، وأسرة في البيت تُتابع وتُشجع.
إن اخترت العمومية، فكُن شريكاً للمدرسة: زُرها، تعرّف على الاساتذة ابنك، ووفّر له في البيت ما ينقصه من هدوء ومراجعة وأنشطة.
وإن اخترت الخاصة وقدرتك المادية تسمح، فلا تنخدع بالواجهة: اسأل عن كفاءة الاساتذة قبل جمال الجدران، وعن القيم التي تُغرس قبل عدد اللغات.
فالاستثمار الحقيقي ليس في بناية المدرسة، بل في عقل وقلب الطفل.
وفي النهاية، المدرسة تفتح الباب، لكن الأسرة هي من تُمسك بيد الطفل ليعبره بثقة نحو المستقبل
والواقع أن التعليم في المغرب ليس بخير سواء ذلك المرتبط رسميا بالدولة أو ذلك الذي يتحكم فيه رأس المال التجاري، فكلاهما يقتاتان على واقع الفساد في المؤسسات الرسمية الذي يميع ويقتل أية مبادرة إصلاحية مهما كانت طموحة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.