المسيد معلمة التي اندثرت في صمت وتخرج منها أجيال من أبناء مدينة تطوان
نورالدين الجعباق /الحياة الشمالة
عبارة مشهورة عالميا ( أنزل القرآن بلسان عربي ، ففسره الفرس ، وكتبه الترك ، وقرأه المصريون ، وحفظه المغاربة ) وقد أكد ابن خلدون في مقدمته : أن سبب تفوق أهل المغرب منذ القديم هو اقتصارهم على حفظ القرآن فقط . وهذا تميّز للمغاربة، لم يكن وليد الصدفة بل منذ القدم، فأسلوبهم الأصيل في حفظ القرآن الكريم. يتوارثه الأبناء جيلاً بعد جيل باستخدام ألواح خشبية (لوح) وحبر تقليدي (صبغة الجوز، المعروفة أيضاً باسم “السماق”)، ويتحدى هذا الأسلوب جميع التقنيات في تلك الفترة، ويظلّ مصدراً للمعرفة وتعلم أصول الإسلام.
ويمكن القول أن هذا تميز للمسيد المغربي بصفة عامة هو طريقته الفريدة في الحفظ. فالطفل لا يقرأ فقط، بل يكتب الآيات بقلم القصب على اللوح الخشبي بالمداد التقليدي، ثم يمحوها بالماء ليشربها — في مشهد يرمز إلى أن القرآن يُحتسى كالماء لا يُحفظ فقط. فهذه الطريقة، التي تتبع رواية الإمام ورش، تجمع بين البصر واللمس والكتابة والقراءة، مما يرسخ الحفظ في الذاكرة بقوة .
ونظراً لدورها المحوري في نشر القيم في المجتمع، الذي حظيت به المدارس القرآنية باهتمام خاص من سلاطين وملوك المغرب، مما أهل المغرب بأن يكون أول بلد في العالم يتوفر على حفاظ للقران والتجويد بلا منافس، وقد وصل عددهم الان حوالي مليونين حافظا للقران ، وهذا ما كان يطمح له المغفور له الملك الراحل الحسن الثاني. إذ جعل مرور الطفل المغربي بالمسيد أمرا ضروريا وإجباريا ، في خطبة ألقاها في يونيو 1965 ، بدأها بابنه أولا، محمد السادس ولي العهد أنداك. الذي سار على درب ابيه، ويتجلى ذلك في استحداث جائزة محمد السادس للمدارس القرآنية عام 2002، بهدف دعم هذه المدارس وتطوير أساليب التدريس فيها. وتؤدي هذه المدارس القرآنية دوراً حيوياً في نشر قيم الإسلام المتسامح والمعتدل، ولها أثر إيجابي على سلوك الشباب وحمايتهم من جميع أشكال الانحراف.
ومدينة تطوان لم تكن أقل شأن من باقي المدن المغربية، وكان لها شأن كبير منذ إعادة بناء المدينة وتطويرها في عهد سلاطين المرينيين، حيث شهدت تطوان أنداك نهضة عمرانية وتعليمية بسبب اهتمامهم الكبيرً بالتعليم والمؤسسات الدينية. حيث أنشأ في عهدهم سبع مدارس لتحفيظ القرآن لتتكاثر بعد ذلك عبر الزمان، ليكون الطفل التطواني يبدأ صباحه كل يوم بصوت مختلف. ليس صوت التلفاز ولا صخب الشارع، بل صوت “الفقيه” يردد الآيات، وصوت الأطفال يرددون من ورائه في حلقات منظمة، داخل مؤسسات تقليدية تكون مجاورة للمساجد لارتباطه به ارتباطًا وثيقًا. وكانت أيديهم الصغيرة تمسك بقلم القصب لترسم حروف القرآن على لوح خشبي.
ويقال أنه أزيد من 90% من أطفال المدينة كانت ترسلهم عائلتهم إلى المسيد في ذلك الوقت ،كما تتم متابعة مسيرتهم التعليمة من طرف الأبوين. لم يكن ذلك مجرد خيار، بل كان طقسًا مقدسًا، وسنة كونية في حياة الأسرة التطوانية.
وقد كانت تبدأ رحلة الطفل إليه عادة في سن الرابعة أو الخامسة. يحمل الطفل لوحه الخشبي (اللُّوحة) ومِداده وقلم القصب، ويجلس على الأرض في حلقات حول الفقيه. يردد ويردد حتى تترسخ الآيات في قلبه قبل عقله. وعندما يُتم حفظ القرآن كاملًا، يُقام له حفل “الختمة” وهو يوم لا يُنسى يحتفل فيه بالطفل كأنه عريس، فتزفّه العائلة في موكب فرح يليق بمن حمل كتاب الله.
والعجيب أن هذه المؤسسة لم تكن تقتصر على التديين فقط، بل كانت نظامًا متابَعًا ، فحتى بعد التحاق الطفل بالمدرسة العصرية، تظل العائلة متابعة لمسيرته التعليمية في المسيد.
وما زالت تسجل ذاكرتنا اليوم و نسمع أن العالم فلان كانت بدايته بالمسيد بحيه ، وكم من أشخاص في المناصب العليا كانت بدايتهم في هذه المؤسسة التقليدية.
هكذا كان “المسيد”. تلك المؤسسة التي كانت أول مدرسة في حياة الطفل، وأول محطة في رحلة العمر.
أما اليوم فيصادف أي زائر لزقاء أحياء العتيقة بتطوان أبواب مغلقة أو تم مسح اثارها ، بعد أن كانت تتعانق الجدران الموشحة بالجير الأبيض.
وفي زمن غير بعيد تحولت بعض كتاتيب قرآنية التي تحولت بدورها إلى حجرات مهمشة ومهدمة أو إلى محل تجاري وكأن لم يكن له بصمة من قبل .
و كأن المدينة لم تكن يومًا تتوفر على أعظم معالم التربوية والمعرفية. لقد أغلق آخر مسيد بحي جامع الكبير، وصمت صوته، وتوقف ترديد الأطفال، في أوائل الثمانينات حيث أن الزمن نفسه قد طوّى صفحة من أروع صفحات التعليم بالأحياء العتيقة رغم تحديه إلى هذه الفترة، . بعد أن كان منارة علم وإشعاع، وحلقات تحفيظ القرآن لا ينقطع، وأروقته لا تخلو من طلاب علم. بسبب قربه من المسجد الأعظم الذي كان ينتقل إليه الطلبة للتتمة دراستهم وتخرجهم منه. لكنه تحول إلى محل تجاري الذي أغلق بدوره.
وقد ظل المسيد مؤخرا مقرونا بالعالم القروي المجاور للمدينة ، واليوم بدأت تندثر بدورها بسبب انتشار التعليم العصري، الذي تدفقت مناهجه التعليمية أقبرت مفهوم المسيد للأبد.
بل يمكن القول غير أن روح المسيد لم تندثر — فقد تطورت الكثير من حلقات التحفيظ لتمتزج بالتعليم العصري العتيق كمؤسسة الامام ملك والشاطبي وغيرها المنتشرة بضواحي المدينة، لتظل هذه المؤسسات العريقة شاهدًا على أن أصالة المنهج لا تتعارض مع تحديث الوسائل.
ومع ذلك قامت حاليا حملة على المنصات التواصل الاجتماعي تنادي بإعادة فتح ‘ المسيد’ الى الوجود في جميع ربوع المملكة خصوصا أن النظام التعليم الحديث يناسب على ذلك باعتبار التلميذ لديه الوقت حسب استعمال الزمن إما صباحا أو ظهرا بدل يرك تائها في الأحياء بدون استفادة .
وفد رأى أصحاب هذه الحملة أن جو المسيد مهم في تكوين الطفل لعدة اعتبارات :
أولًا: بناء العقل واللغة الطفل في المسيد يكتسب مهارات لغوية مبكرة، فينطلق لسانه بالفصحى قبل العامية، وتتفتح مداركه العقلية على النظم والترتيب والتكرار، وهي أسس التعلم مدى الحياة
ثانيًا: التربية قبل التعليم المسيد ليس فصلًا دراسيًا فقط، بل مؤسسة تربوية متكاملة. يتعلم الطفل فيها أدب المسجد، واحترام الكبير، والنظام، والانضباط، والصبر على التكرار. إنها تزرع في النفس “الضبط والالتزام” اللذين لا يمنحهما أي منهج دراسي حديث بسهولة
ثالثًا: الحفاظ على الهوية في زمن العولمة والانفتاح، يظل المسيد حارسًا للهوية المغربية الإسلامية. يربط الطفل بجذوره الدينية والثقافية، ويعطيه بوصلة أخلاقية يمشي بها في دروب الحياة .
وخلال هذه الأيام حاولت احدى الجمعيات وسط المدينة العتيقة إعادة فتح المسيد بالمنطقة وتكلف بكل مواده المادية ، باعتباره تراثا تربويا وعلميا لكن تم رفض المشروع من طرف القائمين على ذلك المسيد .