“رسائل الآباء إلى الأبناء: نبض القلوب ووصايا العمر” (يا بني، هذه رسالتي لك… من قلبٍ عاش ليحميك، وعقلٍ يرشدك لتكمل الطريق)
كتبه: د. يوسف الحزيمري
عدل موثق
تعتبر العلاقة بين الآباء والأبناء من أهم العلاقات في الحياة، حيث يعتبر الآباء مصدر إلهام وإرشاد للأبناء الذين هم فلذات أكبادهم تمشي على الأرض، وقرة أعينهم وزهرة حياتهم الدنيا، فلا غرو أن يحيطوهم بكل العناية والرعاية والرقابة، بشتى الوسائل المتاحة، من الأقوال والأفعال، وكافة قنوات التواصل التي تنقل القيم والمبادئ، من القدوة الفعلية بالحال والمقال، والرعاية المادية والمعنوية، والتربية والتعليم والحض عليه، وقد خلد لنا القرآن الكريم نموذجا حيا إلى يوم القيامة في وصايا لقمان لابنه، بذلك النداء الأبوي الرحيم “يا بني” تعبيرا عن أهمية العلاقة بين الآباء والأبناء وما تكتنفه من الحرص عليهم لنيلهم الحياة الطيبة، من خلال التمسك بالتوحيد ونبذ الشرك، وبر الوالدين، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ورقابة الله، والصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر، والتواضع، والقصد في المشي، والغض من الصوت، وكلها قيم وآداب خليقة بمن اتصف بها أن ينال رضى الله، وهذه الوصية الأبوية حري بأن يتوقف عندها ويقتدى بها، وفي الحديث النبوي الشريف أحاديث كثيرة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم المربي والمعلم والمؤدب ينادي أصحابه بصيغ النداء الأبوي الرؤوف الرحيم مصداقا لقوله تعالى: )حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوف رَّحِيم( [التوبة: 128]، فتجد من مثل: ألا أعلمك كلمات، ألا أدلك، يا غلام، أوصيك… إلى غيرها من عبارات الحرص والتحضيض.
وقد جد المسلمون في اتباع الوصايا القرآنية والنبوية في إكرام الأولاد وإحسان تأديبهم، قال تعالى: )يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارا( [التحريم: 6]، وفي ضعيف الترغيب والترهيب، روى ابن ماجه عن ابن عباسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أكْرِموا أولادَكُمْ، وأحْسِنوا أَدَبَهُمْ)، وعَن جَابر بن سَمُرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: (لِأَن يُؤَدب الرجل وَلَده خير لَهُ من أَن يتَصَدَّق بِصَاع)، وَعَن أَيُّوب بن مُوسَى عَن أَبِيه عَن جده رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا نحل وَالِد ولدا من نحل أفضل من أدب حسن)، ومن ثم انطلق العلماء والربانيون من أهل العلم والأدب والسلوك في التَّرْغِيب فِي تَأْدِيب الْأَوْلَاد، فخلدوا لنا تراثا تربويا وتعليميا وتخليقيا بمحامد الآداب والسلوك، نثرا ونظما، ومن النثر أدب الوصايا والرسائل، ونقف هنا عند أدب الرسائل خصوصا منها الأبوية، والأبوة هنا نوعان: الأبوة الصلبية، والأبوة العلمية، فمن الأولى رسالة ابن الجوزي إلى ولده في الحض على طلب العلم، وفيها يقول: “ثم رأيت فيه نوع توان عن الجد في طلب العلم، فكتبت إليه هذه الرسالة، أحثه بها على طلب العلم، وأحركه على سلوك طريقي في كسب العلم، وأدله على اللجأ إلى الموفق سبحانه، مع علمي بأنه لا خاذل لمن وفق، ولا مرشد لمن أضل، لكن قد قال تعالى: )وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ( [العصر: 3]، وقال تعالى: )وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ([الذاريات: 55]” [إلى ولدي رسالة في الحث على طلب العلم، تأليف الحافظ جمال الدين أبي الفرج ابن الجوزي، تحقيق الأستاذ عمرو عبد المنعم، الطبعة الأولى، دار الرسالة، 1991م، ص: 20].
يتبع