جريدة ورقية إلكترونية تهتم بأخبار المغرب

نحو عقل فقهي مقاصدي يراعي الإنسان والزمان والمكان

الصادق أحمد العثماني – البرازيل

ما أحوج الأمة اليوم إلى تجديد النظر في الفقه الإسلامي، لا من باب القطيعة مع التراث، بل من باب إحياء روحه المقاصدية التي بها صلح واقع المسلمين في عصور ازدهارهم. فالفقه في جوهره ليس تراكم أحكام جزئية جامدة، وإنما هو فهم متجدد للنصوص الدينية في ضوء مقاصد الشريعة، التي تقوم على جلب المصالح ودرء المفاسد، وتحقيق العدل والرحمة وحفظ كليات الدين..
وقد قرر علماء المقاصد، وفي مقدمتهم الإمام الشاطبي، أن الشريعة “وضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل”، وأن الأحكام لا تُفهم على وجهها الصحيح إلا بردّ الجزئيات إلى كلياتها، والنوازل إلى مقاصدها. ومن هنا جاءت القواعد الفقهية الكبرى، مثل: الأمور بمقاصدها، والضرر يزال، والمشقة تجلب التيسير، والعادة محكَّمة، لتكون أدوات مرنة قادرة على استيعاب تحولات الواقع دون تفريط في النص أو انفلات من الضوابط.
وفي هذا السياق يؤكد ابن القيم، وهو من أعمق من عبّر عن العقل الفقهي المقاصدي، أن العبرة في الشريعة بالحقائق والمعاني لا بالأسماء والصور، إذ يقول في إعلام الموقعين: “الاعتبار بالحقائق، وأنها هي التي عليها المعول، وهي محل التحليل والتحريم”. ومن هنا كان تحريم الخمر معلقًا بعلة الإسكار لا بالاسم، مصداقًا لقول النبي ﷺ: «كل مسكر حرام»، فحيث وُجد الإسكار وُجد التحريم، وحيث انتفى انتفى معه الحكم. وهذه طريقة فقهية راقية تنفذ إلى جوهر الأفعال وآثارها على الإنسان والعقل والمجتمع.
هذا الفهم المقاصدي هو الذي أنتج فتاوى حضارية إنسانية في تاريخنا الفقهي، كفتوى المالكية في مسألة الماء القليل عند حارس السجن، حيث قُدِّم حفظ نفس الأسير – ولو كان غير مسلم – على استعمال الماء في الوضوء، تطبيقًا لقاعدة حفظ النفس مقدم على حفظ العبادة، وانسجامًا مع مقصد الرحمة والتكريم الإنساني، الذي قرره القرآن صراحة في قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾، فجعل حق الحياة والغذاء حقًا إنسانيًا عامًا لا يسقط بالاختلاف في الدين أو الانتماء.
ومن هذا الأفق المقاصدي نفسه، جاءت فتاوى فقهاء المالكية في باب الأحوال الشخصية، وعلى رأسها حق “الكد والسعاية”، الذي قرر للمرأة نصيبًا من الثروة المشتركة إذا ساهمت بعملها وجهدها في تنميتها. وهي فتوى جسدت قاعدة الغنم بالغرم، والتي
تعني أن من يحصل على منفعة (غنم) من شيء، يجب أن يتحمل ما يترتب عليه من تكاليف أو خسائر أو أضرار (غرم)؛ أي أن الفائدة تقابلها مسؤولية، وأن من ينتفع بشيء يجب أن يتحمل مؤونته، وهي مبدأ لتحقيق العدل في المعاملات الشرعية والمدنية، وقد أصل لها الفقيه المغربي الشمالي أحمد بن عرضون (توفي حوالي عام 992 هجرية 1584 ميلادية)، مستندًا إلى اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قضية حبيبة بنت زريق، حيث أنصف المرأة وقضى لها بنصف التركة رفعًا للظلم، وتحقيقًا لمقصد العدل الذي هو أساس الشريعة الإسلامية .
إن هذه النماذج تؤكد أن الفقه المقاصدي ليس فقه تمييع أو تسيب، بل هو فقه أمانة ومسؤولية، يوازن بين النص والواقع، وبين الثابت والمتغير، ويجعل الإنسان – باعتباره محل التكليف وغاية التشريع – في قلب الاجتهاد. وللأسف، فإن الخطاب الديني السائد اليوم في كثير من المنابر يعاني من تسطيح شديد، يغلب عليه الوعظ العاطفي والشعارات الجاهزة، بعيدًا عن معالجة القضايا الحقيقية للناس في معاشهم وكرامتهم وأمنهم واستقرارهم.
ومن هنا، فإن تجديد الخطاب الديني لا يكون بكثرة الصراخ ولا بتشديد الخطاب، وإنما بالعودة الجادة إلى مقاصد الشريعة، باعتبارها الإطار الجامع لأي اجتهاد رشيد، وبها فقط يمكن للفقه الإسلامي أن يستعيد دوره الحضاري، ويقدم حلولًا واقعية تحقق سعادة الإنسان، وتصون حياته وحريته وكرامته، وتجعله شريكًا في عمارة الأرض، كما أراد الله تعالى .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.