جريدة ورقية إلكترونية تهتم بأخبار المغرب

كيف نستقبل شهر رمضان؟ توجيه فقهي وتربوي في واقع المجتمع المغربي

اتصلت الجريدة بالشيخ الصادق العثماني ( أمين عام رابطة علماء المسلمين بأمريكا اللاتينية ) وهو حفظه الله ورعاه من أبناء منطقة تطوان ، وتحدثت معه عن كيفية استقبال شهر رمضان ومواضيع أخرى تخص هذا الشهر الكريم .

حيث استعرض توجيهات فقهية وتربوية في واقع المجتمع المغربي…

وهي كالتالي :

يُقبل شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه نفحات الإيمان، ومواسم الرحمة، وفرص التوبة والرجوع إلى الله تعالى، وهو شهر جعله الله مدرسة لتزكية النفوس، وتهذيب الأخلاق، وتقويم السلوك، وتجديد الصلة به سبحانه. ويظهر أثر هذا الشهر الكريم واضحًا في حياة المسلمين، حيث تزداد مظاهر التدين، ويقبل الناس على المساجد، ويتنافسون في الطاعات، ويتحرّون الخير ما استطاعوا إليه سبيلًا. وفي مجتمعنا داخل المملكة المغربية، نلحظ في كل رمضان ظواهر إيجابية وأخرى تحتاج إلى تقويم ونصح، مما يجعل من واجب العلماء والدعاة والمصلحين أن يوجّهوا الناس توجيهًا حكيمًا رحيمًا، قائمًا على الفقه والبصيرة.
من أبرز مظاهر الخير في رمضان الإقبال الكبير للشباب على المساجد، وخاصة أولئك الذين قد يكونون قصّروا في الصلاة أو الابتعاد عنها خلال العام. فهذا الإقبال علامة حياة في القلوب، ودليل على أن فطرة الخير لا تزال حيّة، تنتظر من يوقظها ويغذّيها. وإن من أعظم الأخطاء التي تقع في هذا الباب أن يُقابل هؤلاء الشباب بالتوبيخ أو السخرية أو الإهانة من بعض المصلين، وكأن المسجد ملكٌ لفئة دون أخرى. والحقيقة أن بيوت الله وُضعت لتكون مأوى للتائبين، وملجأً للراجعين، ومكانًا للمنكسرين بين يدي الله، لا ساحة للمحاسبة أو الإقصاء.
لقد كان منهج النبي صلى الله عليه وسلم قائمًا على الرفق والرحمة، فقد قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا». وكان يحتضن التائبين، ويقرّب العائدين، ويشجّع الضعفاء. فالشاب الذي يعود إلى الصلاة في رمضان قد يكون في بداية طريق الهداية، وكلمة قاسية قد تصده عن المسجد سنين طويلة، بينما كلمة طيبة قد تثبّته مدى الحياة. ومن هنا فإن الواجب على رواد المساجد أن يستقبلوا هؤلاء الشباب بوجوه بشوشة، ونفوس رحيمة، وأن يعاملوهم كإخوة، لا كغرباء، وأن يفرحوا برجوعهم بدل أن يعيّروهم بتقصيرهم السابق.
ومن الظواهر المؤسفة التي تتكرر في رمضان خروج بعض الفتيات إلى الشارع بلباس لا يليق بحرمة الشهر، ولا ينسجم مع قيم الحياء والعفة التي دعا إليها الإسلام. ولا شك أن الحجاب والستر فريضة شرعية، وليس أمرًا مرتبطًا بزمن دون زمن، غير أن رمضان موسم مضاعفة الأجور، وموسم تعظيم شعائر الله، قال تعالى: ﴿ومن يعظّم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾. ومن تعظيم هذا الشهر احترام أجوائه الروحية، ومراعاة مشاعر الصائمين، والحرص على الظهور بمظهر ينسجم مع هوية الأمة وأخلاقها.
غير أن النصيحة في هذا الباب يجب أن تكون قائمة على الحكمة والرفق، بعيدًا عن التشهير أو التحقير. فكم من فتاة تحتاج إلى من يذكّرها برحمة، لا من يجرحها بكلمة قاسية. والتربية الصحيحة تقوم على بناء الوعي، وغرس محبة الله في القلوب، وربط الحجاب بالعزة والكرامة، لا بالخوف والضغط الاجتماعي. كما أن للأسرة دورًا أساسيًا في ترسيخ هذه القيم منذ الصغر، وللمدرسة والمسجد والإعلام مسؤولية مشتركة في نشر ثقافة الحياء والاحتشام بأسلوب حضاري مؤثر.
ومن القضايا التي تتكرر كل عام مسألة اختلاف رؤية الهلال، وما يصاحبها من جدل في وسائل التواصل وفي المجالس، حيث يتداول بعض الناس أن المغرب قد يخطئ في تحديد بداية الصيام أو العيد. وهذه المسألة من المسائل الفقهية المعروفة، ولها أصل في السنة النبوية، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم- بشأن الهلال: “صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فصوموا ثلاثين يوما” . (رواه مسلم) ، وقد فهم العلماء من هذا الحديث أن العبرة بثبوت رؤية الهلال، سواء كانت بالعين المجردة أو بالوسائل الموثوقة.
وقد درج علماء المغرب منذ قرون على اعتماد الرؤية الشرعية المباشرة، مع الاستفادة من المعطيات الفلكية في ضبط الإمكان والاستحالة، دون أن يجعلوا الحساب الفلكي وحده أساسًا للحكم. وهذا المنهج يجمع بين النص الشرعي والمعرفة العلمية، ويحقق مقصود الشريعة في اليقين والضبط. والهيئات المختصة في هذا المجال تضم علماء وفقهاء وخبراء، ويُبذل جهد كبير في التحري والتثبت، فلا يصح التشكيك في قراراتها دون علم أو دليل.
كما أن اختلاف المطالع مسألة معتبرة عند كثير من الفقهاء، بمعنى أن لكل بلد رؤيته الخاصة إذا اختلف الأفق، ولذلك لا يلزم شرعًا أن يصوم المسلمون جميعًا في يوم واحد في كل أنحاء العالم. وما يعتمده المغرب هو اجتهاد معتبر، قائم على أصول فقهية راسخة، وعليه جمهور علمائه، ولا يجوز أن يكون سببًا للفرقة أو التشكيك في المؤسسات الدينية.
إن استقبال رمضان استقبالًا صحيحًا يقتضي منا أن نستقبله بقلوب سليمة، ونفوس متواضعة، وأخلاق راقية، وأن نجعله فرصة لإصلاح علاقتنا بالله وبالناس. فالمسجد ينبغي أن يكون بيتًا جامعًا، يحتضن الجميع، ويزرع الأمل في النفوس. والمرأة المسلمة مدعوة إلى أن تجعل من رمضان محطة لتجديد العهد مع الله، وتعزيز قيم الحياء والعفة. والمسلم مطالب بأن يتعامل مع القضايا الخلافية بعلم وحكمة، بعيدًا عن الشائعات والتشكيك.
رمضان ليس شهر الجوع والعطش فقط، بل شهر الصبر، والتسامح، وضبط اللسان، وحسن الظن، وإصلاح القلوب. هو فرصة سنوية لمراجعة النفس، وفتح صفحة جديدة مع الله ومع الخلق. ومن أحسن استقباله، وصدق في اغتنامه، خرج منه بقلب أنقى، ونفس أزكى، وسلوك أرقى .

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.