جريدة ورقية إلكترونية تهتم بأخبار المغرب

بمناسبة الذكرى الأربعينية لوفاة الشريفة للا زينب بنموسى : رحيل مناضلة وطنية وفاعلة جمعوية و أيقونة الأمومة التطوانية

 

بقلم: د. محمد طارق حيون
الرئيس المنتدب لمؤسسة عبد الخالق الطريس
للتربية والثقافة والعلوم

ودعت ساكنة مدينة تطوان خلال شهر شعبان الماضي، الشريفة الفاضلة السيدة للا زينب ابنة الفقيه العلامة الوزير الأديب الشاعر سيدي محمد بن عبد القادر بنموسى رحمه الله، سليلة ُالنسب النبوي الطاهر، التي تربّت في بيت العز والفضل والسيادة والجاه، بين الأمراء العلويين الأطهار، وآل بنموسى الأفاضل، وآل بن يعيش الكرام، ثم ارتبطت بزوجها المرحوم الشريف سيدي محمد بركة، من بيت آل سيدي بركة، شرفاءِ جبل العلم شرّف الله قدرهم، والتي أنجبت منه المرحوم عبد اللطيف بركة، والوزير والسفير عبد السلام بركة متعه الله بالصحة والعافية، والتوأم علي وخالد بركة و مليكة ونزهة وسلامت.
لقد تميزت مسيرتها في هذه الحياة بالبرٌّ والخير، والعطاءٌ في صمت، والبذل مع الاستحياء، والتفكيرٌ في الضعيف والمحتاج، والسخاءٌ بلا حدود ولا قيود، والتضحية بلا انتظار لأي مقابل، والنضالٌ دون بحث عن أي شكر أو تقدير…
خصالها كانت دائما مبنية على أساس الأخلاق الإسلامية العالية، المتلقّاةِ من البيت الأصيل العريق، والضميرِ الحي الذي لا يعمل إلا من أجل نيل رضى الله سبحانه وتعالى، والقلبِ الخالص المخلص الذي لا يسعى إلا من أجل إدراك ثواب الدار الآخرة، “يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم” (سورة الشعراء، الآية: 88 – 89).
وكانت هاته السيدة الخيّرة الديـّـنة، الأديبة اللبيبة، والمناضلة التي أوت في بيتها أعضاء المقاومة والنضال ضد المستعمر أثناء فترة الكفاح الوطني ضد قوات الاحتلال الأجنبي، فكانت تعتني بهم، وتكرمهم، وتقوم بتمريضهم بيديها الكريمتين، بل إنها كانت تأوي زعماءهم وأتباعهم في بيتها، حتى كانت أرجاء هذا البيت تعج بهم من أسفله إلى أعلاه، مما يضطرها للنوم مع أطفالها في جانب من جوانب مطبخ بيتها العامر، رعاية وإكراما لهم. كما شاركت في التظاهرات وساندت زوجها في المقاومة والحركة الوطنية.
كما كانت الفاعلة الجمعوية السباقة إلى المساهمة بجودها وكرمها في كل ميادين البِر، والرائدة في مجال إعداد مائدة الرحمن لإفطار الصائمين، وفي تنظيم وتنفيذ حملات الإعذار للأطفال المعوزين، وفي إدخال الفرحة على قلوب البنات الفقيرات، بتزيينهن في حفل “الشدة” التي تتميز بها مدينة تطوان، وفي تجهيز العرائس اليتيمات والفقيرات، مع إقامة حفلات أعراسهن، وفي المساهمة في تجهيز موتى الفقراء والمساكين، والإنفاق على جنائزهم، وفي التشجيع ماديا وأدبيا على تحفيظ القرآن وتعليم قواعد تجويده بمقر المجلس العلمي، وكذا في غير هذا وذاك من الأعمال الخيرية التي يقوم بها المجلس المذكور، مما لا مجال لحصره في هذه العجالة.
وكان بيتها العامر بمدينة تطوان بيت الجميع، مفتوح للكبير وللصغير، للغني وللفقير، ومقر للولائم والحفلات التي تقيمها، مستضيفة لمختلف الشخصيات والهيئات والجمعيات والمؤسسات في شتى المناسبات، ومأوىً لمختلف الأعمال والتجمعات السياسية والثقافية والخيرية والإحسانية في كل حين.
ولعل أهم ما يمكن تسجيله لها من الحسنات في هذا العقد الأخير، هو عنايتها الفائقة بالقرآن الكريم، وحرصها الكبير على عقد الأمسيات النسوية الشهرية، التي تخصصها بالقصد لتلاوة كتاب الله العزيز، حيث تضم الجلسة الواحدة ما بين 70 و90 سيدة، فتتم تلاوتهن لما يتراوح بين ثلاث وأربع سلكات من القرآن العظيم في كل أمسية، وذلك بتنسيق مع خلية أمهات المؤمنين التابعة للمجلس العلمي المحلي لتطوان.
أما بالنسبة للمواسم الدينية التي تقام بضريح القطب الرباني مولاي عبد السلام بن مشيش في جبل العلم بجماعة تزروت بإقليم العرائش، فإن الشريفة للا زينب كانت تعتبر المشرفة الساهرة الحريصة على مرورها في أحسن الظروف والأحوال، مما جعلها ذلك النموذج الفريد للسيدة المحسنة السخية الكريمة، الجديرةِ بأن تكون الأسوة الحسنة للأجيال اللاحقة، المستحقة لكل الاحترام والتقدير والتكريم.
وفي هذا الصدد، ونظير أعمالها الميدانية الجليلة، وديناميتها في خدمة مجتمعها، قامت مؤسسة المرحوم عبد الخالق الطريس للتربية والثقافة والعلوم، وبمناسبة تخليد الذكرى 51 لوفاة زعيم الوحدة المرحوم الأستاذ عبد الخالق الطريس، بتنظيم حفل تكريم خاص لها، إلى جانب ثلة من الأخيار(المرحوم النقيب عبد الهادي بركة، الأستاذ الفاضل شيبة ماء العينين، مولاي عبد الرحمان الإدريسي القضاوي، الوزير والسفير الأستاذ محمد سعد العلمي و الأستاذ فيصل الخطيب و الأستاذ أحمد الغلبزوري) وبحضور شخصي وفعلي لكل من الأمين العام لحزب الاستقلال الدكتور نزار بركة ونجل زعيم التحرير علال الفاسي الدكتور عبد الواحد الفاسي وورثة سر زعيم الوحدة عبد الخالق الطريس السي محمد رئيس جمعية تطاون أسمير وللا كنزة رئيسة مؤسسة عبد الخالق الطريس وللا فامة الطريس وغيرهم من كبار الشخصيات الوطنية، وذلك يوم السبت 26 يونيو2021 ببيت الأمة (دار آل الطريس) بتطوان، اعترافا وتقديرا لمجهوداتها في صفوف الحركة الوطنية، ومبادراتها الإنسانية والاجتماعية المتميزة.
تغمد الله الفقيدة العزيزة زينب بنموسى بواسع رحمته وأسكنها فسيح جنانه، وجزاها خيرا، عما قامت به من أنشطة اجتماعية خيرية هادفة. إنه تعالى قوي قدير، وبالإجابة جدير.
يقول سبحانه وتعالى في سورة آل عمران، الآية 185:
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ. صدق الله العظيم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.